الحلبي
281
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وأخبروه باتباعي إياهم ولم أر مثل إعظامهم له ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم ذكر من أرسله اللّه من رسله وأنبيائه وما لقوا وما صنع بهم ، حتى ذكر عيسى ابن مريم ، ثم وعظهم . وقال : اتقوا اللّه والزموا ما جاء به عيسى ، ولا تخالفوا يخالف بكم ، ثم أراد أن يقوم . فقلت : ما أنا بمفارقك ، فقال : يا غلام إنك لا تستطيع أن تكون معي ، إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد . قلت : ما أنا بمفارقك فتبعته حتى دخل الكهف فما رأيته نائما ولا طاعما إلا راكعا وساجدا إلى الأحد الآخر ، فلما أصبحنا خرجنا واجتمعوا إليه ، فتكلم نحو المرة الأولى ، ثم رجع إلى كهفه ورجعت معه ، فلبثت ما شاء اللّه أن يخرج في كل يوم أحد ويخرجون إليه ويعظهم ويوصيهم ، فخرج في أحد . فقال مثل ما كان يقول . ثم قال : يا هؤلاء إني قد كبر سني ورق عظمي وقرب أجلي ، وإني لا عهد لي بهذا البيت يعني بيت المقدس منذ كذا وكذا سنة فلا بد لي من إتيانه ، فقلت : ما أنا بمفارقك ، فخرج وخرجت معه حتى أتيت إلى بيت المقدس فدخل وجعل يصلي وكان فيما يقول لي : يا سلمان إن اللّه سوف يبعث رسولا اسمه أحمد ، يخرج من جبال تهامة ، علامته أن يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب ، فأما أنا فشيخ كبير لا أحسبني أدركه ، فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه . فقلت : وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه . قال : وإن أمرك ، ثم خرج من بيت المقدس وعلى بابه مقعد ، فقال له ناولني يدك فناوله يده فقال له قم باسم اللّه فقام كأنما نشط من عقال ، فقال لي المقعد : يا غلام احمل علي ثيابي حتى أنطلق ، فحملت عليه ثيابه ، فذهب الراهب وذهبت في أثره أطلبه كلما سألت عنه ، قالوا أمامك حتى لقيني ركب من كلب فسألتهم ، فلما سمعوا لغتي أناخ رجل بعيره وحملني عليه ، فجعلني خلفه حتى أتوا بي بلادهم فباعوني ، فاشترتني امرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها : أي بستان ، وقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرت به فأخذت شيئا من تمر حائطي ثم أتيته ، فوجدت عنده أناسا ، فوضعته بين يديه ، فقال : ما هذا ؟ قلت صدقة قال للقوم كلوا ولم يأكل هو ، ثم لبثت ما شاء اللّه ، ثم أخذت مثل ذلك ، ثم أتيته فوجدت عنده أناسا فوضعته بين يديه ، فقال : ما هذا ؟ فقلت هدية ، قال : بسم اللّه وأكل وأكل القوم فقلت في نفسي هذه من آياته . ويحتاج للجمع بين هذه الرواية وما تقدم على تقدير صحتهما . وفي « الدر المنثور » « أن امرأة من جهينة اشترته وصار يرعى غنما لها ، بينما هو يوما يرعى إذ أتاه صاحب له ، فقال له : أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنه نبي ؟ فقال له سلمان : أقم في الغنم حتى أتاك ، فهبط سلمان إلى المدينة فاشترى بدينار ببعضه شاة فشواها وببعضه خبزا ثم أتاه به ، فقال ، ما هذا ؟ قال سلمان : هذه